القاضي عبد الجبار الهمذاني
428
المغني في أبواب التوحيد والعدل
على أن شيوخنا ألزموهم على الآلام والآفات « 1 » ، وقالوا : إذا كانت لا تكون إلا عقوبة ، فكذلك في العمى والزمانة ؛ لأن ذلك يغم وإن لم يؤلم . وألزموهم على ارتكاب ذلك القول بأن الخلقة « 2 » الناقصة القبيحة لا تكون إلا عقوبة ، فالتزموه وقالوا إنه تعالى يعاقب العاصي بأن ينقله في الأشخاص القبيحة ، وأوجبوا ذلك . وزعموا أن أرواح العصاة تحصل في الصور القبيحة ، وأن أرواح الطائعين تحصل في الصور الحسنة ؛ وهذا يوجب عليهم أنه تعالى في الابتداء لا يحسن منه أن يتفضل بخلق هذه الصورة ؛ لأنها إما أن تكون كاملة يسر بمثلها ، أو ناقصة يغتم بها ، وكلاهما لا يحسن إلا على جهة الاستحقاق . أو يلزمهم القول بأن التفضل بالثواب يحسن ، وفي ذلك هدم القول بالتكليف . ويلزم القول - على هذه الطريقة - في الأنبياء والصالحين أن لا تلحقهم الأمراض والآفات ، وأن لا يلحق صورتهم نقص . وذلك مما بينا ثبوته فيهم وأنه يبطل مقالة القوم . والّذي قدمناه في صفة التكليف ، وفي أن العبد لا يكلف نفسه ، يبطل ما يذهب إليه فريق منهم في باب الإباحة ؛ لأنهم يقولون على بعض ما ذكرناه من أن العبد متى أخلص في الطاعة لم يحسن منه تعالى أن يشق عليه في التعبد أو يقولون « 3 » إن التكليف من قبل العبد ، وله أن يكلف نفسه ، وله أن يسقط التكليف عنها ما لم يكن مستحقا للعقوبة . / وقد بينا بطلان جميع ذلك . ويجب على ما قدمناه أن يكون التكليف كلما كان أشق أن يكون أولى في الحكمة بأن يلزمه تعالى من أخلص في العبادة لأنه أعود بالنفع العظيم على ما بيناه .
--> ( 1 ) الآفات بدون الواو . ( 2 ) في الأصل : الخلق . ( 3 ) في الأصل : يقولوا .